احتفت مدينة " صفرو" الواقعة جنوبي مدينة "فاس" العاصمة الروحية بوسط المغرب مؤخرا بالدورة 96 لمهرجان " حب الملوك" ، أو" الكرز" الذي يعد من أقدم المهرجانات الشعبية في البلاد، حيث يحظي بحضور جماهيري من المقيمين بالمغرب والسياح الاجانب والمراسلين الصحفيين من كل أنحاء العالم، حيث تخلله برنامجا ومتنوعا من العروض الفنية والأنشطة الثقافية والفكرية التي اجتذبت العديد من الشخصيات وزوار المدينة من بينها ندوات حول منتوج الكرز وآفاق تسويقه وعروض للفروسية ومعارض فنية وسهرات موسيقية إضافة إلى أنشطة رياضية وإبداعية متنوعة.
ويظل تتويج ملكة حب الملوك في ختام فعاليات المهرجان من أقوى المنافسات التي تشارك فيها العديد من الفتيات من مختلف مناطق المغرب أحد أبرز فقرات هذا المهرجان خاصة لحظة خروج موكب الملكة المتوجة الذي ترافقه لوحات فنية مختلفة تقدمها العديد من المجموعات والفرق الموسيقية التي تمثل مختلف جهات المملكة.
وتوجت الفتاة الشابة المنحدرة من مدينة " سلا " المغربية، " زينب الديب" 24 عاما بلقب ملكة جمال " حب الملوك لعام 2016 ، في حضور وزير الشباب والرياضة المغربي لحسن السكوري وعدد من المسئولين السياسيين والعسكريين، وعزفت الموسيقى الملكية العسكرية بعض الاناشيد الوطنية في بداية الاحتفالات .
وفي ختام الحفل الختامي اقيمت في المساء حفلة غنائية شارك فيها عدد من مشاهير الفن بالمغرب وسط حضور جماهيري مكثف.
كما اقيمت على هامش هذا المهرجان عدة معارض للمنتجات المحلية شاركت فيها العديد من التعاونيات٬ والتي تشكل فرصة لتثمين هذه المنتوجات وتسويقها.
يشار إلى أن تصنيف (مهرجان حب الملوك) بصفرو ضمن لائحة التراث اللامادي للإنسانية لمنظمة اليونسكو جاء ليشكل إضافة جديدة للعديد من التظاهرات والمواقع المغربية التي سبق لهذه المنظمة الدولية أن صنفتها ضمن هذا التراث كساحة جامع الفنا بمراكش وموسم مدينة طانطان وغيرها .
ويرجع تاريخ إقامة أول دورة لمهرجان " حب الملوك" الى عام 1918 ، والذي يتم خلاله الاعلان عن ملكة جمال " حب الملوك" أي ملكة جمال الكرز.. الذي يعد من الفاكهة الشهيرة التي تتميز بزراعتها مدينة " صفرو" السياحية.
ويعتبر المغرب من أهم البلدان المنتجة للكرز، بحوالي 10 الاف طن سنويا، حيث تعد عملية جني ثمار الكرز أو كما يعرف بالمغرب بـ " حب الملوك" خلال الفترة من مايو وحتى يوليو من كل عام، وخلال هذه الفترة يقام المهرجان احتفالا بهذه المناسبة.
وتتزامن الاحتفالات بمهرجان " حب الملوك" مع نهاية موسم قطف فاكهة الكرز لمدة ثلاثة أيام في يونيو من كل عام، وفي ختام فعاليات المهرجان يتم الاعلان عن ملكة جمال الكرز من بين فتيات المغرب المرشحات لنيل شرف الجائزة الكبرى.
وقد كان هذا المهرجان في السابق أحد رموز التعايش في المدينة، حيث يشارك في المسابقة مسلمات ويهوديات ومسيحيات، ولكن بعد هجرة الفرنسيين بعد الإستقلال ثم هجرة معظم المغاربة من الديانة اليهودية، اقتصرت المسابقة على السكان المحليين من المسلمين .
ويقول منظمو المهرجان، إن صفرو هي المدينة المغربية الوحيدة التي تتوج ملكة الجمال بدون حساسيات سياسية بموازاة مع تنظيم مهرجان حب الملوك، والسر في الجمع بين الإحتفالين تشابه فاكهة حب الملوك أو الكرز الخجولة بملامح الفتاة الجميلة التي يتم اختيارها.
ويتم اختيار ملكة الجمال ووصيفتيها من بين تسع مرشحات، في احتفال ترافقه الأهازيج العربية والأمازيغية تكلل ملكة الجمال ووصيفتيها بالتاج، يعقبه استعراض شعبي يطوف شوارع المدينة مصحوبا بنغمات فرق موسيقية شعبية تختزل الترابط القديم والجديد بين جمال الطبيعة والجمال الآدمي في لوحات فنية رائعة تطوف شوارع المدينة وترمي بحبات من الكرز على الضيوف والجماهير التي تحتشد بالالاف في ساحات الميادين العامة التي تجري فيها فعاليات المهرجان .
لكن الكثير من سكان مدينة صفرو التي تبعد حوالي 28 كيلومترا عن فاس، يخشون من أن يصبح مهرجانهم الوحيد بلا عنوان فهم يقولون إن زحف العمران على حساب الأشجار أفضى إلى اقتلاع عدد من أشجار فاكهة الكرز ومحاولات إعادة غرسها باءت بالفشل ، الا أن الجهود المبذولة حاليا أحيت الامل وأعادت الى المهرجان البهجة والسرور بالانتاج الوفير من الكرز.
ويبرز تعايش الديانات الثلاث في مدينة "صفرو" من خلال نشأتها الرومانية، وأسوارها وقلاعها ومساجدها الإسلامية، وأحيائها ومدارسها ومعابدها اليهودية فضلا عن ثقافتها ولغتها التي تشكل خليطا بين عراقتها الأمازيغية وهويتها العربية والاسلامية.
وقد حافظت مدينة صفرو على هذا التقليد لما يقارب القرن، وإن كانت المشاركة في مسابقة ملكة الجمال مقتصرة اليوم السكان المحليين بعد هجرة سكان المدينة اليهود إلى اسرائيل، والمسيحيون رحلوا بعد استقلال المغرب منتصف خمسينيات القرن الماضي، وقتها كانت صفرو رمزا للتعايش الحضاري بين الديانات الثلاث .
وحسب شهادات مؤرخين محليين فقد تأسست مدينة صفرو قبل مدينة فاس العاصمة الروحية للمغرب، ويستشهد هؤلاء بقول مأتور لمولاي ادريس الثاني نجل مؤسس الدولة المغربية حين دشن ورش بناء فاس فقال: "سأرحل من مدينة صفرو إلى قرية فاس فور انتهاء أعمال البناء" وهو ما يدل على أن صفرو أسست قبل فاس ، حيث تعد مدينة صفرو الواقعة على سفوح جبال الأطلس ، واحدة من المدن المغربية القديمة، وكانت تعرف بأكثر من إسم، فاليهود لقبوها ب" أورشليم الصغيرة" ، والمسيحيون اعتبروها "حديقة المغرب" الأكثر جمالا، والمسلمون يسمونها "عاصمة حب الملوك" أي الكرز، وهي فاكهة نادرة تحسب زراعتها لفرنسي اكتشف بداية القرن الماضي ملاءمة تربة مدينة صفرو لزراعة الكرز، فصارت منذ ذلك الحين عاصمة لحب الملوك بكل أنواعه.
وأصبح مهرجان حب الملوك في السنوات الأخيرة مهرجانا عالميا إذ شاركت فيه فرق من الصين وايطاليا وجمعيات فرنسية وغيرها وقد استفاد المهرجان من تسميته مؤخرا كتراث عالمي من قبل منظمة اليونسكو.
ويشترط لاختيار ملكة جمال "حب الملوك" أن يكون جمالها طبيعي، وحاصلة على شهادة جامعية بالاضافة الى مرورها باختيار ذكاء و ألا يتجاوز عمرها 26 عاما ، وتوشح الفائزة بتاج ذهبي وترافقها وصيفتيها في جولة حول المدينة وهي توزع فاكهة الكرز على الحضور من أبناء المنطقة ومن السياح الأجانب.
وتعرف مدينة صفر ومنطقة الأطلس المتوسط عموما بمناظرها الطبيعية وجبالها وووديانها وأيضا توفرها على كل أنواع الفاكهة مثل التفاح والأجاص والمشمش وفاكهة الاسكدنيا أو ما يسمى -المزاح- لدى المغاربة وتشتهر أيضا بأشجار الزيتون الوفيرة حيث توفر المنطقة أفضل أنواع الزيوت، ولهذا أسميت بأورشليم المغرب وسماها بعض الشعراء بجزء من فلسطين بسبب أشجار زيتونها، كما تتوفر منطقة الأطلس المتوسط على اكبر غابة أرز في العالم والذي يعتبر من أجود أنواع الأرز ويسمى الأرز الأطلسي .
ويضم إقليم صفرو مدنا صغيرة ومناطق عديدة كلها تتميز بطبيعتها الخلابة ووديانها وجبالها وأيضا ما يسمى بالضايات أي البحيرات التي يزورها السياح من كل حدب وصوب.
ومدينة "رباط الخير" وما كانت تعرف قديما ب"هرممو" وكانت تضم اكبر ثكنة عسكرية مغربية، تطل على ثاني أعلى جبل بالمملكة المغربية وهو جبل "بويبلان" والمعروف بكثرة زواره خلال فصل الشتاء من هواة رياضة التزلج لتوفره على ثلوج تدوم لمدة طويلة.
واقرب مدينة لصفرو وتابعة لإقليمها تقع على بعد ثلاث كيلومترات فقط وهي مدينة البهاليل، مدينة لا يمكن أن تجد مثلها بالمغرب، فجل مساكنها شيدت وسط المغارات ولكي تلتحق بأماكن السكن عليك أن تذهب في منحى تصاعدي ولذلك فالمدينة ملها تتوفر على سلالم حجرية، هي مدينة ما زالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها بشدة وحتى على زي نسائها "الملحف" الأبيض
حينما تصعد لقمة مدينة البهاليل يمكنك رؤية مدينة صفرو بوضوح.
وهناك أيضا منطقة "العنوصر" الشهيرة بجبالها ومائها المعدني المعالج وهناك أيضا ضريح سيدي "علي بوسرغين" المعروف بمدينة صفرو والواقع فوق هضبة سياحية ممتعة والذي يتوفر أيضا على عين معدنية معالجة وعموما فان مياه إقليم صفرو والأطلس المتوسط معروفة بقدراتها العلاجية والمنطقة تضم أكثر من عين معالجة ومنها "عين الله" أو "عين الشفاء"، حمامات "مولاي يعقوب" البركانية وغيرها من العيون التي تنتمي للأطلس المتوسط ...
واقرب مدينة لها هي مدينة فاس، إذ تبعد عنها بحوالي 30 كيلومترا، ويعتبر العمران الإسلامي الأندلسي واليهودي أيضا هو الغالب على طابعه ، وتعتبر مدينة صفرو أو إقليم صفرو عموما معروفا بالصناعة التقليدية وخاصة صناعة "العقاد التي تستعمل في القفطان المغربي المعروف وأيضا القفطان المغربي والجلباب والأزياء التقليدية ذات الجودة العالية، صناعة الزرابي وما يسمى ب"الحنبل"... وبوجه عام صناعة النسيج والغزل.

أ ش أ